النويري
15
نهاية الأرب في فنون الأدب
فواكه الجنّة فأكلا ، فكانا في الجنّة خمسمائة عام من أعوام الدنيا في أتمّ السرور وأنعم الأحوال . ذكر خبر إبليس والطاوس والحيّة قال : ولمّا سمع إبليس أن اللَّه تعالى أباح لآدم أن يأكل من ثمار الجنّة إلَّا شجرة واحدة ، فرح بذلك ، وقال : لأخرجنّهما من الجنة . ثم مرّ مستخفيا في طرقات السماوات حتى وقف على باب الجنّة ، فإذا الطاوس قد خرج من الجنة وله جناحان إذا نشرهما غطَّى بهما سدرة المنتهى ، وله ذنب من الزمرّد الأخضر على كلّ ريشة منه جوهرة بيضاء ، وعيناه من الياقوت الأحمر ؛ وهو أطيب طيور الجنّة صوتا وتغريدا ؛ وكان يخرج ويمرّ في السماوات يخطر في مشيته ويرجع إلى الجنّة . فلما رآه إبليس كلَّمه بكلام ليّن ، وقال : أيّها الطائر العجيب الخلق الطيّب الصوت ، من تكون من طيور الجنة ؟ فقال : أنا الطاوس ، فمالك أيها الشّخص كأنّك مرعوب تخاف من طالب يطلبك ؟ قال إبليس : أنا من ملائكة الصّفيح « 1 » الأعلى من زمرة الكروبييّن « 2 » ، وقد أحببت أن أنظر إلى الجنّة وإلى ما أعدّ اللَّه فيها لأهلها فهل لك أن تدخلني الجنّة وأنا أعلَّمك ثلاث كلمات من قالها لا يهرم ولا يسقم ولا يموت ؟ فقال له : وأهل الجنّة يموتون ؟ قال : نعم ويسقمون ويهرمون إلَّا من كانت عنده هذه الكلمات ، وحلف له على ذلك ، فوثق به الطاوس ولم يظنّ أحدا يحلف باللَّه كاذبا ؛ فقال : ما أحوجني إلى هذه الكلمات ، غير أنّى أخاف أن يستخبرني ( رضوان ) عنك ، ولكني أبعث إليك الحيّة فإنّها سيّدة دوابّ الجنة .
--> « 1 » الصفيح : من أسماء السماء . « 2 » الملائكة الكروبيون بفتح الكاف ، هم سادة الملائكة ، وهم المقربون . قيل : إنهم سموا الكروبيين لأنهم هم المتصدون للدعاء بدفع الكرب عن الناس .